سياسة

تقرير أحداث السويداء.. بين الرواية وأسئلة العدالة؟!

قراءة تقريرية في خلاصات لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا

الكاتب: أحمد علي

حين يفيض الدم لا يترك للغة مجالاً واسعاً للمناورة، ولهذا يبدو أي تقرير عمّا حدث في السويداء أمام امتحانين معاً، امتحان الدقة وامتحان المعنى، فالوقائع لا تكفي إذا بقيت مبعثرة بين الشهادات، والمعنى قد ينحرف إذا حُمّل النص ما لا يقوله… ولهذا ربما لا يكتفي التقرير الذي أصدرته لجنة التحقيق الدولية المستقلة بشأن سوريا بسرد ما جرى، بل يحاول ترتيب مشهد دامٍ ومعقد داخل إطار قانوني وسياسي يشرح كيف انفجرت الأحداث وكيف بقيت آثارها مفتوحة بعد أشهر.

كذلك، يقدّم ما يشبه خريطة للألم، خريطة تقول إن ما وقع لم يكن اشتباكاً عابراً، بل سلسلة وقائع دفعت مجتمعاً كاملاً إلى حافة التمزق.. لكن وقبل البدء في الحديث عن التقرير وما جاء فيه، نودّ التوضيح إننا في «سوريا اليوم 24»، كأي وسيلة إعلامية تبنّت الحياد منهجاً، تقارب الأفكار ووجهات النظر من مسافة تجعلها تعرضها كما هي، لتفصلنا عن التقرير المسافة نفسها التي تفصلنا عن الروايات أو السرديات أو التقارير الأخرى التي تتناوله، ولهذا وجب التنويه.

تقرير أحداث السويداء الأممي

بحسب اللجنة، يستند التقرير إلى أكثر من أربعمئة مقابلة، وإلى زيارات ميدانية متعددة، إضافة إلى تحليل مواد مصورة ووثائق وبيانات رسمية، وهذه المنهجية لا تمنح النص حصانة مطلقة، لكنها تمنحه وزناً توثيقياً يصعب التعامل معه كتعليق سياسي عابر.

كما أن التقرير لا يبدأ من تموز وحده، بل يعود إلى أحداث جرمانا وأشرفية صحنايا في نيسان وأيار 2025 بوصفها جزءاً من السياق السابق لانفجار السويداء، وبهذا المعنى، فإن تقرير أحداث السويداء لا يقرأ المأساة كحادثة منفصلة عن بيئتها، بل كحلقة ضمن توتر متراكم تشابكت فيه الهويات المحلية والهواجس الأمنية وسنوات الحرب السابقة.

ثلاث موجات لا حادثة

ربما أهم ما يلفت في بناء التقرير أنه يرفض اختزال ما جرى بعنوان واحد مريح، ويقترح بدلاً من ذلك قراءة الأحداث بوصفها ثلاث موجات متعاقبة من العنف.. الموجة الأولى، وفق اللجنة، وقعت بين 14 و16 تموز، حين دخلت قوات حكومية ترافقها مجموعات عشائرية إلى قرى غربية ومدينة السويداء، وارتكبت انتهاكات واسعة بحق مدنيين من الدروز شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي والنهب.

ويشير التقرير إلى أن رجالاً عُرّفوا على أساس هويتهم الدرزية فُصلوا عن النساء والأطفال ثم أُعدم بعضهم، بينما قُتل آخرون داخل منازلهم أو في الشوارع.

الموجة الثانية بدأت بعد انسحاب القوات الحكومية في 17 تموز، إثر الغارات “الإسرائيلية” على السويداء ودمشق، حيث تقول اللجنة إن جماعات درزية مسلحة هاجمت مدنيين من البدو، وارتكبت بدورها انتهاكات خطيرة شملت القتل والتعذيب والاحتجاز القسري والتهجير والنهب، وصولاً إلى دفع معظم المجتمع البدوي خارج المناطق الخاضعة لسيطرتها.

ثم جاءت الموجة الثالثة، وهي الأوسع تدميراً بحسب التقرير، عندما تحرك آلاف المقاتلين القبليين بين 17 و19 تموز، فاستهدفت الهجمات مجدداً مدنيين دروزاً، مع إحراق ونهب شبه شامل لمنازل ومحال ومواقع دينية في عشرات القرى ذات الغالبية الدرزية أو المختلطة.

بهذه البنية، يصر تقرير أحداث السويداء على أن المشهد لم يكن صداماً ثنائياً بسيطاً، بل سلسلة انتهاكات متراكبة شارك فيها أكثر من طرف، ودفع المدنيون ثمنها الأكبر في كل موجة.

الضحايا أكثر من أرقام

حين يتحدث التقرير عن الأعداد، فإنه يفعل ذلك بنبرة حذرة، ومع ذلك تبدو الأرقام ثقيلة إلى حد يكفي لشرح حجم الكارثة.. تقول اللجنة إنها تلقت تقارير عن مقتل أكثر من 1707 أشخاص، بينهم 1190 رجلاً و99 امرأة و22 صبياً و31 فتاة من الدروز، إضافة إلى 53 رجلاً و9 نساء و5 صبيان و3 فتيات من البدو.

كما تشير إلى مقتل ما لا يقل عن 225 من عناصر الحكومة، وتضيف أن كثيرين من الضحايا كانوا من المدنيين أو من أشخاص لم يعودوا يشاركون في القتال ساعة استهدافهم. وإلى جانب القتلى، يوثق التقرير حالات خطف واحتجاز غير مشروع واختفاء، مع بقاء عشرات الأشخاص في عداد المفقودين حتى الآن.

لكن تقرير أحداث السويداء لا يكتفي بإحصاء الموتى، بل يلفت النظر إلى أن الكارثة الاجتماعية قد تكون أطول عمراً من لحظة القتل نفسها، فقرابة مئتي ألف شخص نزحوا خلال الأحداث، ولا يزال نحو 155 ألفاً، معظمهم من قرى درزية أُحرقت، عاجزين عن العودة بعد مرور أشهر. كما أن معظم المجتمع البدوي، وفق اللجنة، ما زال مهجراً قسراً من مناطق واسعة في المحافظة.

ويضيف التقرير أن المستشفيات تعرضت لضغط هائل، وأن الجثامين تكدست مع اتساع العنف، وأن الانتهاكات حملت بُعداً جندرياً واضحاً، إذ استُهدف الرجال والفتيان على نحو خاص، بينما وردت أيضاً تقارير عن عنف جنسي بحق نساء وفتيات من الطرفين، مع تأكيد اللجنة أن التحقق الكامل من هذه الملفات ما زال مستمراً.

السياسة داخل الركام

ما يمنح التقرير وزنه الأبعد من التوثيق هو أنه لا يفصل الدم عن السياسة، فهو يرى أن العنف خرج من احتقان بين الحكومة الجديدة وقيادات دينية ومسلحة درزية، وسط إرث ثقيل من انعدام الثقة وذكريات الحرب الطويلة، وانتشار السلاح وشبكات التهريب والجريمة، واستمرار نزاعات محلية لم تُحل.

كذلك يربط النص بين ما جرى في السويداء وبين هشاشة المرحلة الانتقالية في سوريا عموماً، بما في ذلك تعثر إصلاح القطاع الأمني وضعف ضبط المجموعات المسلحة وتباطؤ إصلاح المؤسسة القضائية.

وفي هذا السياق يخصص التقرير مساحة واضحة للدور “الإسرائيلي”، إذ يقول إن التدخل العسكري “الإسرائيلي” خلال الأحداث زاد الوضع تعقيداً وأسهم في تعميق عدم الاستقرار، كما غذى اتهامات بالخيانة ضد بعض القيادات الدرزية وأطلق موجات تحريض وانتقام أوسع. ولا يقدّم التقرير هذا العامل بوصفه التفسير الوحيد، لكنه يضعه ضمن شبكة الأسباب التي جعلت التهدئة تتعثر والحل السياسي يتراجع والانقسام الأهلي يزداد حدة.

ما الذي يريده التحقيق

اللافت أن التقرير لا يغلق المشهد عند حدود الإدانة، بل يتجه إلى ما بعد التوصيف. اللجنة تدعو الحكومة السورية إلى تعزيز المساءلة العاجلة عن الجرائم والانتهاكات على امتداد سلسلة القيادة، لا عند المنفذين الظاهرين فقط، مع إعلان الإجراءات المتخذة وإشراك الضحايا ومنظماتهم في مسار التحقيق.

كما تطالب بالإسراع في معالجة قضايا المعتقلين والمفقودين والمقابر الجماعية والمختطفين، وتقديم دعم اجتماعي ونفسي للمتضررين، وتهيئة شروط عودة آمنة وطوعية للنازحين من جميع المجتمعات، واستعادة الممتلكات المنهوبة أو المحتلة بصورة غير مشروعة.

كذلك يشدد التقرير على أهمية الحوار الجدي بين الدولة والمجتمع الدرزي، وعلى دعم المصالحات المحلية بين الدروز والبدو، وعلى منع تكرار نشر وحدات غير منضبطة أو غير مدربة في البيئات المدنية.

وفي المقابل، يحمّل الجماعات المسلحة من أهل السويداء أيضاً مسؤوليات واضحة بموجب القانون الإنساني الدولي، منها التحقيق في الانتهاكات المنسوبة إلى عناصرها، والكشف عن مصير المفقودين، وصون حق المهجرين في العودة إلى بيوتهم وممتلكاتهم. ومن هنا يمكن القول إن تقرير أحداث السويداء لا يقدّم خاتمة بقدر ما يفتح ملفاً ثقيلاً على الدولة وعلى الفاعلين المحليين معاً. إذ إنه يقول، بلغة قانونية هادئة، إن العدالة لا تكون انتقائية، وإن حماية المدنيين لا تتجزأ، وإن أي تسوية لا تمر من باب المحاسبة ستترك الجرح مفتوحاً وقابلاً للاشتعال من جديد…

اقرأ أيضاً: لجنة تحقيق السويداء: ما الذي يعنيه نشر “حصيلة وتوصيات” الآن؟

ماريلويد للشحن والخدمات اللوجيستية

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى