أبواب حمص القديمة: شواهد لا تزال أسماءها حيّة

بقلم هلا يوسف
من يعرف حمص قبل عام 2011 يتيقن أن هذه المدينة تحمل بين شوارعها تاريخ عريق يعود لآلاف السنين. وهنا لا اتحدث عن الأحياء الحديثة نسبياً، بل أحياء حمص القديمة التي تتشابه لحد كبير مع الحارات والأزقة الضيقة المنتشرة في المحافظات السورية. هذه الأحياء التي شكلت نواة المدينة الكبيرة، كانت محاطة بأبواب أو أسوار حامية لها من الأعداء وفي نفس الوقت مسيجة لبيوتها وأسوقها القديمة. لذلك هذا المقال سنذهب في رحلة إلى تاريخ تلك الأسوار ومعالم وجودها الآن.
أبواب حمص… الحارس الصامت للمدينة
كانت مدينة حمص القديمة تقع داخل أبواب أحاطت بها من جميع الجهات، ومن ينظر إلى خرائط المدينة القديمة يلاحظ اتخاذها شكل المستطيل غير المنتظم. ففي الوقت الذي كانت فيه القلعة تشكل الزواية الجنوبية الغربية للمدينة. كان وجود الخندق الدفاعي يعد من أهم عناصر الحماية التي ساعدت في صد الهجمات والحفاظ على أمن المدينة عبر العصور.
وعلى الرغم من وجود أسوار لمدينة حمص من العهد الروماني، إلا أنها دُفنت تحت الأنقاض مع مرور الزمن. أما الأبواب التي نتحدث عنها هنا هي التي بُنيت في العصور اللاحقة، أي الحقبة التي تعود إلى عهد المنصور إبراهيم الذي أعاد بناءها وترميمها، وبقيت قائمة بحالة جيدة لفترة طويلة.
وقد وصف الرحالة الأوروبي بيربيلون أبواب حمص في القرن السادس عشر بأنها أسوار قوية مشيدة بأحجار منحوتة بإتقان، وهذا الوصف ينطبق تماماً على الآثار الباقية لها إلى اليوم، وخصوصاً في المنطقة الممتدة بين باب تدمر وباب الدريب. ومع بداية القرن العشرين بدأت الأبواب تنهار شيئاً فشيئاً، وتعرضت أجزاء كبيرة منها للهدم حتى ما بقي منها سوى بعض الآثار المنتشرة في الأحياء القديمة.
أبواب حمص السبعة… مداخل المدينة وحكاياتها
كانت الأبواب تشكل الطريق الذي يصل المدينة الداخلية بالعالم الخارجي. وكما ذكرنا سابقاً كانت حمص تمتلك في العهد الروماني أربعة أبواب رئيسية هي: باب الرستن، وباب دمشق، وباب الجبل، وباب الصغير. وبعدها جاء العباسيون في عصر المنصور إبراهيم، وأعادوا بناء الأبواب الموجودة، وأضافوا عليها ثلاثة أبواب جديدة حتى أصبح عددها سبعة أبواب.
وتضم هذه الأبواب: باب السوق، وباب هود، وباب المسدود، وباب التركمان، وباب السباع، وباب الدريب، وباب تدمر. وبقي الحكام الذين توالوا على الحكم يهتمون بترميم هذه الأبواب حتى القرن التاسع عشر، عندما هدم العثمانيون معظمها مع توسع حمص وازدياد عدد سكانها.
كان باب السوق، المعروف قديماً بباب الرستن، يقع في الجهة الشمالية قرب الجامع النوري الكبير. أما باب هود فكان في السور الغربي ويعد المنفذ التجاري الأهم المؤدي إلى الأسواق القديمة. ويقع باب السباع شرق القلعة، وقد قد تسميته بهذا الاسم بسبب وجود نقوش لأسدين يرمزان إلى السلطان الظاهر بيبرس.
أما باب تدمر فكان في الزاوية الشمالية الشرقية للسور، وتم تسميته بذلك لأنه يقود إلى الطريق المؤدية إلى مدينة تدمر. ويقع باب التركمان بالقرب من القلعة عند نهاية السور الغربي، بينما كان باب الدريب، المعروف أيضاً بباب العمدان، يفتح الطريق نحو القرى الواقعة شرق المدينة وجنوبها الشرقي.
بينما يحظى الباب المسدود بأهمية وتميز كبيرين لأنه يعد الباب الأثري الوحيد الذي ما تزال معالمه واضحة حتى اليوم، في الوقت الذي لم يبق من بعض الأبواب الأخرى سوى آثار حجرية أو مجرد أسماء متوارثة بين أهل المدينة.
نافذة على تاريخ حمص عبر الحضارات
ومع ذكر تاريخ أبواب مدينة حمص، لا بد من الاطلاع السريع على تاريخها، فقبل أن تكون مدينة إسلامية ورومانية، كانت مدينة عريقة تعود إلى ما قبل عام 2300 قبل الميلاد. وقد سكنها العمالقة ثم الآراميون والحثيون الذين اتخذوها عاصمة لهم فترة من الزمن.
وقد شهد محيطها أشهر المعارك في العهد القديم، وهي المعرحة التي دارت بين رعمسيس الثاني ملك مصر والحثيين، وانتهت بعقد معاهدة سلام التي تعد من أقدم المعاهدات المعروفة في التاريخ. وبعد ذلك تعاقبت على المدينة قوى عديدة، فدخلها الآشوريون ثم الكلدانيون بقيادة نبوخذ نصر، ثم الفرس بقيادة كورش.
وفي عام 80 قبل الميلاد حصلت حمص على استقلالها الإداري، وحكمها ملوك من أسرة آل شمسيغرام العربية حتى دخلت تحت الحكم الروماني سنة 79 ميلادية. وكانت تلك الفترة من أكثر مراحل المدينة ازدهاراً ونفوذاً، خاصة بعد زواج جوليا دومنا، ابنة كاهن الشمس في حمص، من الإمبراطور الروماني سبتيموس سيفيروس.
ومن حمص خرج عدد من الأباطرة الذين حكموا الإمبراطورية الرومانية، الأمر الذي منح المدينة مكانة كبيرة داخل العالم الروماني. كما اتخذتها زنوبيا عاصمة صيفية إلى جانب تدمر، وبرز فيها الفيلسوف الشهير لونجينوس الذي كان من أبرز مستشاريها.
حمص في العهد الإسلامي وما بعده
عندما دخلت حمص العصر الإسلامي احتفظت بمكانتها المهمة في بلاد الشام. فقد كان لقادتها وولاتها النصيب الأكبر في الحكم خلال عصر الخلفاء الراشدين والأمويين. ومن أبرز الأسماء التي اشتهرت في تلك الفترة: السمط بن الأسود الكندي وعبادة بن الصامت وعياض بن غنم وشرحبيل بن حسنة.
كما اتخذ القائد خالد بن الوليد من حمص مقراً لإقامته في أواخر حياته، وتوفي فيها ودُفن في المسجد المعروف باسمه اليوم. وانتشرت في المدينة قبور ومقامات عدد كبير من الصحابة والتابعين والأولياء، وقد ذكرنا في مقال سابق جزءاً من هذه الأسماء التي دفنت في مقبرة الكتيب.
ومن يزور مدينة حمص يلاحظ تداخل المساجد والكنائس والأسواق والمباني التاريخية التي تعود إلى عصور مختلفة، من العهد الإسلامي وحتى العصر المملوكي والعثماني. لكن هذه المعالم تعرضت خلال سنوات الحرب لأضرار كبيرة، فأصيبت أجزاء واسعة من المدينة القديمة بالدمار، وفُقد جانب مهم من تراثها العمراني الذي تراكم عبر آلاف السنين.
في الختام، كان لمدينة حمص أبواب سبعة، حرستها لقرون طويلة، وشكلت معالم المدينة القديمة بأحيائها وأبنيتها وأزقتها التراثية، وإلى اليوم لا تزال أسماء هذه الأبواب ملصوقة بالأحياء، حتى بعد اندثار الكثير منها. ومن خلال تاريخ المدينة، يمكن القول أنها كانت منطلقاً للعديد من الحضارات، وهذا ما أعطاها الطابع المتنوع والمختلف.
اقرأ أيضاً: أسواق حمص القديمة.. ترميم الذاكرة الاقتصادية للمدينة









