ثقافة وتراث

أبطال من الجلد والضوء: مسرح خيال الظل بين التاريخ والإحياء

بقلم هلا يوسف

لطالما كان المسرح السوري عنواناً صادقاً لواقع الحياة اليومية التي عاشها السوريون. ومن بينها مسرح خيال الظل الذي يعد من أعرق الفنون المسرحية في العالم العربي، حيث يمزج بين التسلية والفن البصري والنقد الاجتماعي والسياسي بطريقة رمزية وساخرة.

شكل هذا الفن حلقة وصل بين التراث الشفهي والمسرح الحديث، وعكس تفاعل المجتمع العربي مع واقعه اليومي، بما في ذلك الصراعات السياسية والاقتصادية والاجتماعية، عبر أدوات بسيطة لكنها عميقة في التعبير. ومن خلال عروضه، تمكن خيال الظل من أن يربط بين الأطفال والكبار، بين السخرية والنقد، وبين التسلية والتثقيف، ما جعله جزءاً لا يتجزأ من الوعي المسرحي العربي التقليدي. وفي هذا المقال سنذهب في رحلة مع هذا الفن القديم، ونتعرف على محاولات إحيائه.

تاريخ فن خيال الظل وتطوره

نشأ فن خيال الظل أولاً في الهند وجنوب شرق آسيا وبلاد فارس، قبل أن ينتقل إلى العالم العربي في العصر العباسي. ومن ثم وصل إلى مصر وسوريا خلال الدولة الفاطمية، ليصبح جزءاً من الحياة الاجتماعية والثقافية، ويؤدي وظيفة نقدية هامة ضد الفساد الاجتماعي والسياسي. وقد ازدهر هذا الفن في العصر العباسي، حيث أسهم في رسم البنية الأساسية للعرض المسرحي، معتمداً على ستارة بيضاء مضاءة من الخلف، ودمى مصنوعة من جلود الإبل أو الأبقار، “والمخايل” أو الكاراكوزاتي الذي يحرك الشخصيات ويؤدي الحوار المسجوع.

تميزت عروض خيال الظل بأسلوب نقدي اجتماعي ساخر، حيث تناولت موضوعات الحياة اليومية، مثل الفقر، والظلم، وسلوك الحكام، وفساد رجال السلطة، ما جعل بعض عروضه عرضة للرقابة والمنع. وقد ساعد هذا الأسلوب في تحفيز الجمهور على التفكير، وفي الوقت ذاته، قدم المتعة البصرية والصوتية من خلال موسيقى إيقاعية نابعة من الأداء المسجوع للشخصيات.

من أبرز رواد هذا الفن في العالم العربي كان محمد بن دانيال الموصلي في القرن الثالث عشر الميلادي، الذي كتب ثلاث مسرحيات شهيرة هي: طيف الخيال، وعجيب وغريب، والمتيم. وابتكر ابن دانيال دمجاً بين الفصحى والعامية، والنثر المسجوع والشعر، ليقدم نصوصاً قريبة من وعي الجمهور، تجمع بين المتعة والسخرية والنقد السياسي.

وقد شهد فن خيال الظل انتشاراً واسعاً في الشرق الأوسط، خصوصاً في تركيا ومصر وسوريا خلال الحقبة العثمانية. وفي دمشق أصبحت عروضه في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين جزءاً من الحياة اليومية، حيث كانت تعرض في المقاهي الشعبية تحت اسم “قهوة الكراكوز”، مقدماً عروضاً للجمهور الصغير والكبير على حد سواء، مع التركيز على التفاعل المباشر مع المتفرجين.

محاولات إعادة إحياء فن خيال الظل

مع تراجع شعبية مسرح خيال الظل نتيجة الحروب، والرقابة، والتقنيات الحديثة التي وضعته في مؤخرة الفنون، انطلقت جهود حثيثة لإحياء هذا التراث المسرحي الشعبي. فقد كان شادي الحلاق أحد أبرز المبدعين الذين حافظوا على إرث المخايلين القدماء، مستمراً في تقديم عروضه للأطفال والكبار على حد سواء في مخيمات اللجوء بالبنان خلال الحرب السورية، مستخدماً شخصيتي كراكوز الساذج وصديقه اللبق عيواظ لرواية قصص الحياة اليومية في أسواق دمشق القديمة. وقد تميز شادي بقدرته على تغيير صوته ولهجته لتناسب كل شخصية، مواصلاً بذلك إرث أجداده المخايلين من أسرة حبيب، الذين قدموا الفن على مدى أربعة أجيال.

وفي عام 2018 تم إدراج مسرح خيال الظل السوري ضمن قائمة التراث الثقافي غير المادي الذي يحتاج للحماية العاجلة من قبل اليونسكو، ما منح الفن دعماً رسمياً وشهرة دولية، وفتح الباب أمام مشروعات تدريبية واسعة النطاق. أسست بعد ذلك فرقة “ظلال”، والتي أصبحت أول فرقة متخصصة في هذا النوع من المسرح الشعبي، وقامت بابتكار شخصيات جديدة مستوحاة من الواقع الشعبي والتاريخي، مثل: الست بديعة، والفلاح أبو جميل، وأبو صفنة، وأوليل ملك البحار، ورضا، والآنسة ضوجة. والجدير بالذكر أن هذه الشخصيات لم تصمم وفقاً للنسب الطبيعية للجسد، بل اعتمدت على الرمزية والخيال، لتعكس خصائص كل شخصية ودورها في السرد المسرحي.

كما شهدت جهود الإحياء تنظيم ورش تدريبية شاملة لتعليم الشباب تصميم الدمى، وصناعة الخامات الجلدية، وتحريك الدمى بعصي المخايل، والإلقاء الصوتي، وإتقان التمثيل المسرحي، بالإضافة إلى تعليمهم كتابة القصص الملائمة لخيال الظل. وبهذه الطريقة أصبح المخايلون الشباب قادرين على تقديم عروض متكاملة تجمع بين الأداء الصوتي والحركة والإيقاع الموسيقي التقليدي، مع إشراك الجمهور في بعض الأحيان لتجربة تفاعلية مشابهة للعروض التاريخية في مقاهي دمشق واللاذقية وحلب.

كما توسعت عروض خيال الظل لتصل إلى المدارس، والمقاهي، وحتى في الفعاليات الثقافية الدولية، ما ساهم في تعريف الجمهور المعاصر بفن المخايلين العريق. وتعمل الفرق الجديدة على دمج الموسيقى الشرقية التقليدية، مثل القانون والطبول والناي، مع تحريك الدمى، لتقديم تجربة مسرحية كاملة تعكس الطابع الشعبي والفني للفن التاريخي.

وقد كان جزء من جهود الإحياء القديمة تسجيل وتوثيق العروض، سواء عبر الفيديو أو المطبوعات، لضمان نقل المعرفة للأجيال القادمة. فقد جمع الباحث حسين حجازي المخطوطات والقصص القديمة وحفظها في سبعة مجلدات، لتشكل مرجعاً علمياً للأجيال الجديدة، مستكملاً بذلك جهود الفرق والفنانين في الحفاظ على إرث هذا الفن الغني، وتجديده بأساليب معاصرة دون أن يفقد هويته التاريخية.

وبفضل هذه الجهود أصبح مسرح خيال الظل ليس مجرد فن شعبي قديم، بل تجربة حية تواكب العصر، تجمع بين التعليم والترفيه، وتساهم في إبراز الهوية الثقافية، وتعزيز التواصل بين الماضي والحاضر، وبين الأجيال القديمة والجديدة، بما يجعل منه إرثاً فنياً مستمراً يدمج بين التقاليد والابتكار.

في الختام، يبقى مسرح خيال الظل جسراً فنياً وثقافياً بين الماضي والحاضر، وأسلوباً يلهم المهتمين به المزج بين السخرية والواقع اليومي. ومع الجهود المبذولة لإعادة إحيائه وتوافر وسائل التواصل الاجتماعي، قد يشهد هذا الفن قفزة نحو العالم الرقمي إذا تم استخدامه بطريقة مبدعة.

اقرأ أيضاً: المسرح بين الغياب ومحاولات استعادة الصوت

مقالات ذات صلة

زر الذهاب إلى الأعلى