آبار ريف دمشق.. سباق إلى باطن الأرض يهدد آخر ما تبقى من المياه

بقلم هلا يوسف
عندما نقول آباراً عشوائية، لا يمكننا سوى تذكر المشكلة الكبيرة التي حصلت في عين منين منذ فترة، والتي على أثرها حصلت إضرابات واعتصامات. هذه المشكلة ربما تم حلها، لكن مؤقتاً، فالآبار العشوائية في ريف دمشق ودمشق لا تزال تشكل مشكلة حقيقية لكونها سبباً في استنزاف ما تبقى من المياه الجوفية، عدا عن تأثيراتها المستقبلية. قد يقول البعض إن المزارعين وغيرهم وجدوا حلاً لقلة المياه في أراضيهم، لكن في المقابل حفر الآبار بطريقة غير مدروسة حرم مناطق أخرى من المياه.
فمثلاً المياه التي تصل لها هذه الآبار تأتي من خزانات جوفية مشتركة، وكل بئر جديدة يعني سحب كمية إضافية من هذا المخزون. ومع استمرار الضخ ينخفض مستوى المياه، فيضطر أصحاب الآبار إلى الحفر بطريقة أعمق وتركيب مضخات أقوى، لتتحول الحاجة إلى الماء إلى سباق مكلف ولا يمكننا معرفة نهايته. وإذا نظرنا إلى التقارير الرسمية الصادرة في كانون الثاني من هذا العام، ندرك حجم المشكلة، حيث يوجد 50 ألف بئر غير مرخصة في ريف دمشق، بينما هناك نحو 14 ألفاً و500 بئر مرخصة. أي أن الآبار غير المرخصة أصبحت أكثر من ثلاثة أضعاف الآبار المرخصة.
لماذا يستمر الناس في حفر الآبار؟
من يزور مناطق مثل الكسوة وزاكية والدرخبية وقطنا وخان الشيح ودروشا وعرطوز وجديدة عرطوز ومعضمية الشام وداريا ويعفور والصبورة، بالإضافة إلى مناطق قريبة من دمشق، سيلاحظ أن عمليات حفر الآبار العشوائية لا تزال مستمرة، حتى في المناطق التي لا تعطي الجهات المعنية فيها تراخيص جديدة.
وقد لا تحتاج عملية الحفر إلى حفارة ضخمة تلفت أنظار الجميع. فهناك طرق محلية مثل “الغرز” و”الحفر العربي”، يمكن تنفيذها داخل المنازل والمزارع، والسبب الأساسي لعمليات الحفر هو الحصول على الماء. فمثلاً العائلة التي لا تصلها المياه سوى عدة أيام بالشهر، وتلجأ باستمرار لمياه الصهاريج، ترى أن حفر بئر في منزلها أنسب لها.
وكذلك بالنسبة للمزارع، التي يلعب توفر المياه دوراً في نجاح الموسم أو خسارته. أما أصحاب المزارع والاستراحات، فقد أصبحت الآبار بالنسبة إلى بعضهم ضرورية لري الأشجار وملء المسابح وتشغيل المنشأة.
ففي خان الشيح ودروشا تنتشر الفلل والمزارع التي تؤجر يومياً أو أسبوعياً أو شهرياً، وتصل أجرة بعضها إلى 150 أو 300 دولار في اليوم، فبحسب ما قاله السكان المحليون تعتمد هذه المزارع بشكل أساسي على الآبار، حتى أن بعضها تجاوزت أعماقه بين 75 و400 متر، مع استخدام طريقة الغرز لحفرها.
والمشكلة ليست فقط في حفر الآبار، بل أيضاً بتنظيمها، فقد قالت مصادر إعلامية إنه في إحدى بلديات ريف دمشق، تم إبلاغ فريق ميداني بأن ملف الآبار ليس من اختصاص البلدية، وتمت إحالته إلى الوحدة الزراعية. وهناك قيل إنه لا تعطى تراخيص جديدة في المنطقة. لكن عند بوابة المؤسسة، حصل الفريق على رقم موظف قال إنه يستطيع تأمين شخص لحفر بئر “من دون أي مشكلات”. وهذا يعني أن هناك نوعاً من الرشوة لإصدار التراخيص.
اقرأ أيضاً: مزارع ريف دمشق: مشروع استثماري يواجه مخاطر المياه والزراعة
من 500 ألف ليرة للمتر إلى مئات الأمتار تحت الأرض
طالما أن هناك آلاف الآبار العشوائية، ربما تسأل نفسك هل لهذه الدرجة رخيصة عملية الحفر حتى يلجأ لها الكثير من الناس؟ الحقيقة أن التكلفة تختلف بحسب الطريقة ونوع الأرض وعمق المياه.
ففي طريقة “الغرز” يتم دق أنبوب معدني له رأس مدبب ومصفاة داخل الأرض، إلى أن يصل إلى طبقة رملية أو حصوية تحتوي على المياه. تسمح المصفاة بدخول الماء وتحد من دخول الرمال، ثم تركب مضخة لسحب المياه. وتبلغ تكلفة هذه الطريقة نحو 500 ألف ليرة سورية، بعدما كانت تصل التسعيرة خلال العام السابق بين 250 و450 ألف ليرة.
وهنا تلعب ارتفاع الأسعار دوراً في التسعيرة، وترتبط بتراجع قيمة الليرة وارتفاع أسعار المواد والتجهيزات وأجور العمل. كما أن سرعة الحفر تختلف من منطقة إلى أخرى بحسب طبيعة الأرض.
أما بالنسبة للعمق فلا يمكن تحديده سابقاً بشكل دقيق. ففي بعض المواقع قد لا تظهر طبقة مائية منتجة قبل تجاوز 120 متراً، بينما تصل بعض الآبار إلى نحو 430 متراً، وهذا يرتبط بتراجع المياه في الطبقات الأقرب إلى سطح الأرض.
وقبل بدء الحفر يمكن إجراء كشف لتقدير مكان المياه وعمقها باستخدام أجهزة خاصة. وتبلغ كلفة هذا الكشف نحو مليون ليرة، تُخصم من الكلفة النهائية إذا بدأ الحفر، بينما يدفعها صاحب الطلب كاملة إذا لم يتم الاتفاق على التنفيذ.
أما الحفر العربي فيختلف عن الغرز، ويعتمد على العمل اليدوي، وبالعادة يكون عمقه أقل لكنه شاق، خصوصاً إذا كانت الأرض صخرية أو بازلتية، وتبلغ تكلفته بين 700 و800 ألف ليرة، وقد تزيد أو تنقص بحسب طبيعة الأرض.
وقد تظهر المياه أحياناً على عمق 27 متراً تقريباً، بينما يتراوح عمق الحفر العربي عادة بين 20 و30 مترًا، وقد يصل في بعض الحالات إلى 35 أو 40 متراً.
وتجدر الإشارة إلى أن الحساب لا ينتهي عند ذلك، حيث يمكن أن تضاف عليه تكلفة تغليف البئر، وهذه تسمى “بحجارة اللف العربي”، والتي قد تصل إلى نحو مليون و200 ألف ليرة، بالإضافة إلى كلفة الكشف عن المياه التي تبلغ نحو 200 ألف ليرة إذا لم يبدأ الحفر.
ويقول أحد العاملين في الحفر العربي إن هذه الطريقة لا تحتاج إلى ترخيص ولا تسبب مشكلة مع البلدية، بينما يعتبر آبار “الغرز” مخالفة. لكن هذا الكلام لا يتوافق مع التشريع المائي السوري، الذي يشترط الحصول على ترخيص مسبق لحفر الآبار واستثمار المياه العامة، بغض النظر عن طريقة الحفر.
اقرأ أيضاً: مياه الصهاريج في دمشق: من أين تأتي؟ وهل هي آمنة للشرب؟
المشكلة ليست في البئر وحدها.. بل في كل ما حولها
قد تعتقد أن البئر الموجودة في أرضك تؤثر فقط فيك، لكن المياه الجوفية لا تعرف حدود المنازل والعقارات. ويوضح هذه الفكرة مهندس المياه الجوفية أكرم الخطيب الذي يقول إن المياه الجوفية ليست مخزوناً ثابتاً يمكن السحب منه إلى ما لا نهاية. فهي تتجدد أساساً من الأمطار وتسرب المياه السطحية إلى باطن الأرض.
عندما تصبح كمية المياه التي يتم ضخها أكبر من قدرة الحوض على التجدد، يبدأ المنسوب بالانخفاض. ومع الوقت تقل غزارة الآبار، ويضطر أصحابها إلى تعميقها أو تركيب مضخات أقوى، وقد تجف بعض الآبار والينابيع تماماً لكن بشكل تدريجي.
وهذا ما يجعل البئر الجديدة مشكلة محتملة للآبار القديمة. فالخبير الجيولوجي محمد السماوي يوضح أن تشغيل المضخة يؤدي إلى انخفاض المياه حول البئر، وكلما زادت كمية الضخ وساعات التشغيل، ازدادت هذه المنطقة. وعندما تتقارب عشرات الآبار، تبدأ مناطق الانخفاض بالتداخل، فتتنافس الآبار على الخزان الجوفي نفسه.
والنتيجة من هذه العمليات أن البئر التي كانت تعطي كمية جيدة من المياه قد تبدأ بالتراجع، وصاحبها يجد نفسه مضطراً لإنفاق المزيد من المال لتعميقها. وهنا يظهر فرق آخر بين الناس، فهناك من يملك المال وبالتالي يستطيع أن يحفر أعمق ويشتري مضخة أقوى ويستهلك طاقة أكبر، بينما قد يفقد المزارع أو الأسرة الأقل دخلًا مصدر المياه.
وتظهر مؤشرات على هذا التراجع في الغوطة الشرقية. ففي قرية الأحمدية، قال أحد المزارعين إن مستوى المياه الجوفية وصل إلى نحو 107 أمتار، بعدما كان 87 متراً في الفترة نفسها من العام السابق، ونحو 60 متراً قبل ثلاث سنوات. ويرى أن استمرار الانخفاض بهذا الشكل يهدد الزراعة، لأن تكلفة ضخ المياه من أعماق كبيرة تصبح أكبر من قدرة المزارعين.
ويرى الخبير أكرم الخطيب أن تأثير السنوات الجافة لا يمكن أن يُمحى بمجرد نزول المطر بشكل جيد في موسم واحد. فالأمطار والثلوج التي كانت تساهم في تغذية الأنهار والأحواض خلال الربيع والصيف تراجعت خلال السنوات الماضية، كما أثّر تراجع الغطاء النباتي والمساحات الزراعية وقطع الأشجار في قدرة الأرض على الاحتفاظ بالمياه وتسريبها إلى باطنها.
أما قانونياً فيخضع حفر الآبار لقانون التشريع المائي رقم 31 لعام 2005، الذي يشترط الحصول على رخصة مسبقة لاستثمار المياه العامة وحفر الآبار. وتعطي القواعد الأولوية لمياه الشرب والاستخدامات العامة، كما تسمح بتحديد كمية المياه التي يمكن ضخها وتركيب عدادات على مضخات الري الزراعي.
وتنص المادة 35 على عقوبات بحق من يحفر بئراً أو يشغلها من دون ترخيص، تشمل الحبس والغرامة وإزالة المخالفة ومصادرة المعدات، بينما أعلنت الهيئة العامة للموارد المائية العمل على تعديل العقوبات وتشديدها.
كما ترتبط رخصة البئر الزراعية بشروط، منها أن يكون العقار في منطقة يسمح بالحفر فيها، وإجراء كشف فني، وتقديم ما يثبت الملكية والحاجة إلى المياه، وألا تقل المسافة عن أقرب بئر لمؤسسة مياه الشرب عن ألف متر.
أما البئر المنزلية، فتحتاج إلى إثبات عدم القدرة على تأمين المياه من الشبكة العامة، بالإضافة لشروط أخرى تتعلق بخدمة مجموعة من المنازل غير المخدّمة.
وفي النهاية، مشكلة الآبار العشوائية لا تتعلق فقط بالمخالفين، بل أيضاً بالرقابة غير الموجودة، وبالواسطات التي قد تسمح لشخص بحفر بئر دون ترخيص، وأيضاً بضرورة إدارة الموارد المائية بصورة أفضل، بحيث لا يُحرم أي منزل منها، مع تطبيق القانون بحذافيره على الجميع.
اقرأ أيضاً: عدادات المياه الذكية في دمشق.. ماذا ستغيّر في حياة الناس؟









